الشيخ عبد الله البحراني

593

العوالم ، الإمام جعفر الصادق ( ع )

قال : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً « 1 » . أفلا ترون أنّ اللّه تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الإثرة على أنفسهم ؛ وسمّى من فعل ما تدعون [ الناس ] إليه مسرفا ، وفي غير آية من كتاب اللّه يقول : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * « 2 » . فنهاهم عن الإسراف ، ونهاهم عن التقتير ، ولكن أمر بين الأمرين ، لا يعطي جميع ما عنده ، ثمّ يدعو اللّه أن يرزقه فلا يستجيب له ؛ للحديث الّذي جاء عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنّ أصنافا من أمّتي لا يستجاب لهم دعاؤهم : رجل يدعو على والديه ؛ ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال ، فلم يكتب عليه ، ولم يشهد عليه ؛ ورجل يدعو على امرأته ، وقد جعل اللّه عزّ وجلّ تخلية سبيلها بيده ؛ ورجل يقعد في بيته ويقول : « ربّ ارزقني ولا يخرج ، ولا يطلب الرزق ، فيقول اللّه عزّ وجلّ له : « عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة ، فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتّباع أمري ، ولكي لا تكون كلّا على أهلك فإن شئت رزقتك ، وإن شئت قتّرت عليك ، وأنت [ غير ] معذور عندي ؛ ورجل رزقه اللّه عزّ وجلّ مالا كثيرا فأنفقه ، ثمّ أقبل يدعو يا ربّ ارزقني ، فيقول اللّه عزّ وجلّ : ألم أرزقك رزقا واسعا ؟ فهلا اقتصدت فيه كما أمرتك ، ولم تسرف وقد نهيتك عن الإسراف ؛ ورجل يدعو في قطيعة رحم ؛ ثمّ علّم اللّه جلّ اسمه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كيف ينفق ، وذلك أنّه كانت عنده أوقيّة من الذهب ، فكره أن تبيت عنده ، فتصدّق بها ، فأصبح وليس عنده شيء ، وجاء من يسأله ، فلم يكن عنده ما يعطيه ، فلامه السائل ، واغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه ، وكان رحيما رقيقا ؛ فأدّب اللّه عزّ وجلّ نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأمره ، فقال : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً « 3 » .

--> ( 1 ) الفرقان : 67 . ( 2 ) الأنعام : 141 . ( 3 ) الإسراء : 29 .